الآلوسي

258

تفسير الآلوسي

مكية وأن تكون مدنية ، وخصوص السبب لا ينافي عموم المعنى ، فالمعوّل عليه عدم العدول عما قاله الجمهور . وقرأ ابن سيرين : * ( وان عقبتم فعقبوا ) * بتشديد القافين أي وان قفيتم بالانتصار فقفوا بمثل ما فعل بكم غير متجاوزين عنه . واستدل بالآية على أن للمقتص أن يفعل بالجاني مثل ما فعل الجنس والقدر وهذا مما لا خلاف فيه . وأما اتحاد الأدلة بأن يقتل بحجر من قتل به وبسيف من قتل به مثلاً فذهب إليه بعض الأئمة ، ومذهب أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه أنه لا قود إلا بالسيف ، ووجه ذلك مع أن الآية ظاهرة في خلافه أن القتل بالحجر ونحوه مما لا يمكن مماثلة مقداره شدة وضعفاً فاعتبرت مماثلته في القتل وازهاق الروح والأصل في ذلك السيف كما ذكره الرازي في أحكامه . وذكر بعضهم أنه اختلف في هذه الآية فأخذ الشافعي بظاهرها ، وأجاب الحنفية بأن المماثلة في العدد بأن يقتل بالواحد واحد لأنه نزلت لقول النبي صلى الله عليه وسلم لأمثلن بسبعين منهم لما قتل حمزة ومثل به كما سمعت فلا دليل فيها ، وقال الواحدي : إنها منسوخة كغيرها من المثلة وفيه كلام في شروح الهداية . وفي تقييد الأمر بقوله سبحانه * ( وان عاقبتم ) * حث على العفو تعريضاً لما في " إن " الشرطية من الدلالة على عدم الجزم بوقوع ما في حيزها فكأنه قيل : لا تعاقبوا وان عاقبتم الخ كقول طبيب لمريض سأله عن أكل الفاكهة ان كنت تأكل الفاكهة فكل الكمثري ، وقد صرح بذلك على الوجه الآكد فقيل : * ( وَلَنْ صَبَرْتُمْ ) * أي عن المعاقبة بالمثل * ( لَهُوَ ) * أي لصبركم على حد * ( اعدلوا هو أقرب للتقوى ) * ( المائدة : 8 ) * ( خَيْرٌ ) * من الانتصار بالمعاقبة * ( للصَّابرينَ ) * أي لكم إلا أنه عدل عنه إلى ما في النظم الجليل مدحاً لهم وثناء عليهم بالصبر ، وفيه إرشاد إلى أنه إن صبرتم فهو شيمتكم المعروفة فلا تتركوها إذاً في هذه القضية أو وصفاً لهم بصفة تحصل لهم إذا صبروا عن المعاقبة فهو على حد من قتل قتيلاً وهو الظاهر من اللفظ ، وفيه ترغيب في الصبر بالغ ، ويجوز عود الضمير إلى مطلق الصبر المدلول عليه بالفعل ، والمراد بالصابرين جنسهم فيدخل هؤلاء دخولاً أولياً ، ثم إنه تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم صريحاً بما ندب إليه غيره تعريضاً من الصبر لأنه عليه الصلاة والسلام أولى الناس بعزائم الأمور لزيادة علمه بشؤونه سبحانه ووثوقه به تعالى [ بم فقال تعالى : * ( واصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ باللَّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِى ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ ) * . * ( وَاصْبرْ ) * على ما أصابك من جهتهم من فنون الآلام والأذية وعاينت من أعراضهم بعد الدعوة عن الحق بالكلية * ( وَمَا صَبْرُكَ إلاَّ بالله ) * استثناء مفرغ من أعم الأشياء أي وما صبرك ملابساً ومصحوباً بشيء من الأشياء إلا بذكر الله تعالى والاستغراق بمراقبة شؤونه والتبتل إليه سبحانه بمجامع الهمة ، وفيه من تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتهوين مشاق الصبر عليه وتشريفه ما لا مزيد عليه أو إلا بمشيئته المبنية على حكم بالغة مستتبعة لعواقب حميدة فالتسلية من حيث اشتماله على غايات جليلة قاله شيخ الإسلام . وقال غير واحد : أي الا بتوفيقه ومعونته فالتسلية من حيث تيسير الصبر وتسهيله ولعل ذلك أظهر مما تقدم . * ( وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهمْ ) * أي على الكافرين وكفرهم بك وعدم متابعتهم لك نحو * ( فلا تأس على القوم الكافرين ) * ( المائدة : 68 ) وقيل : على المؤمنين وما فعل بهم من المثلة يوم أحد * ( وَلاع تَكُ في ضَيْق ) * بفتح الضاد ، وقرأ ابن كثير بكسرها وروي ذلك عن نافع ، ولا يصح على ما قال أبو حيان عنه وهما لغتان كالقول والقيل أي